عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

111

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

الشراب هو النور الساطع عن جمال المحبوب ، والكأس هو اللطف الموصل ذلك إلى أفواه القلوب ، والساقي هو المتولي الخصوص الأكبر والصالحين من عباده ، وهو الله العالم بالمقادير ومصالح أحبائه ، فمن كشف له عن ذلك الجمال وحظي بشيء منه نفسًا أو نفسين . ثم أرخى عليه الحجاب ، فهو الذائق المشتاق ومن دام له ذلك ساعة أو ساعتين ، فهو الشارب حقًا ، ومن توالى عليه الأمر ودام له الشرب حتى امتلأت عروقه ومفاصله من أنوار الله المخزونة ، فذلك هو الري ، وربما غاب عن المحسوس والمعقول ، فلا يدري ما يقال ولا ما يقول فذلك هو السكر ، وقد يدور عليهم الكاسات ، وتختلف لديهم الحالات ، ويرعون إلى الذكر والطاعات ، ولا يحجبون عن الصفات ، مع تزاحم المقدورات ، فذلك وقت صحوهم ، واتساع نظرهم ومزيد علمهم ، فهو نجوم العلم ، وقمر التوحيد يهتدون في ليلهم ، وبشموس المعارف يستضيئون في نهارهم ، ) أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون ( وله من الكرامات من المكاشفات وغيرها ما لا يحتمل ذكره هذا الكتاب من ذلك ما ذكره تلميذ الشيخ أبو العباس المرسي المتقدم ذكره ، قال : خرجت من المدينة الشريفة لزيارة قبر عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حمزة رضي الله عنه ، فلما كنت في أثناء الطريق تبعني إنسان ، فلما وصلنا لقينا باب القبة مغلقًا ، ثم انفتح لنا ببركة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فدخلنا فلقينا عنده رجل يدعو ، فقلت لرفيقي ، هذا من الإبدال ، والدعاء في هذه الساعة مستجاب ، فدعا إلى الله تعالى أن يرزقه ديناراً وسألت الله أن يعافيني من بلاء الدنيا وعذاب الآخرة ، فلما رجعنا وقربنا بالمدينة لقينا إنسانًا ، فأعطى رفيقي ديناراً ، فلما دخلنا المدينة . وقع نظر الشيخ أبي الحسن علينا ، فقال لرفيقي : يا خسيس الهمة صادفت ساعة إجابة ، ثم صرفتها إلى دينار هلا كنت مثل أبي العباس سأل الله تعالى أن يعافيه من بلاء الدنيا وعذاب الآخرة وقد فعل له ذلك ؟ قلت : هذا معنى ما روي عنه ، وإن لم تكن جميع ألفاظها بعينها . ومن ذلك ما اشتهر أنه لما دفن بحميراً عذب ماؤها بعد أن كان ملحًا ، وهي صحراء عيذاب ، وتوفي فيها متوجهاً إلى بيت الله الحرام ، وقبره هناك مشهور مزور على ممر الأيام ، والشيخ أبو الحسن الشاذلي المذكور مبدأ ظهوره بشاذلة على القرب من تونس . قال الشيخ تاج الدين بن عطاء الله : لم يدخل في طريق القوم ، حتى كان يعد للمناظرة ، وكان متضلعاً بالعلوم الظاهرة ، جامعاً لفنونها عن تفسير وحديث ونحو وأصول وآداب ، وكانت له السياحات الكثيرة ، ثم جاءه بعد ذلك العطاء الكثير والفضل الغريز ، واعترف بعلو منزلته من عاصره من أكابر العلماء والأولياء العارفين بالله تعالى ، وهذا ما